القرطبي
399
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يكن ذلك ضاعت الحقوق وبطلت . فيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن يجيبوا . والله أعلم . فإن قيل : هذه شهادة بالأجرة ، قلنا : إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال ، وذلك كأرزاق القضاة والولاة وجميع المصالح التي تعن ( 1 ) للمسلمين وهذا من جملتها . والله أعلم . وقد قال تعالى : " والعاملين عليها ( 2 ) " ففرض لهم . التاسعة والثلاثون - لما قال تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " دل على أن الشاهد هو الذي يمشى إلى الحاكم ، وهذا أمر بنى عليه الشرع وعمل به في كل زمان وفهمته كل أمة ، ومن أمثالهم : " في بيته يؤتى الحكم " . الموفية أربعين - وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشهداء ، وهو يخص عموم قوله : " من رجالكم " لأنه لا يمكنه أن يجيب ، ولا يصح له أن يأتي ، لأنه لا استقلال له بنفسه ، وإنما يتصرف بإذن غيره ، فانحط عن منصب الشهادة كما انحط عن منزل الولاية . نعم ! وكما انحط عن فرض الجمعة والجهاد والحج ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . الحادية والأربعون - قال علماؤنا : هذا في حال الدعاء إلى الشهادة . فأما من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقها الذي ينتفع بها ، فقال قوم : أداؤها ندب لقوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " ففرض الله الأداء عند الدعاء ، فإذا لم يدع كان ندبا ، لقوله عليه السلام : " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " رواه الأئمة . والصحيح أن أداءها فرض وان لم يسألها إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته ، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك ، فيجب على من تحمل شيئا من ذلك أداء تلك الشهادة ، ولا يقف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق ، وقد قال تعالى : " وأقيموا الشهادة لله ( 3 ) " وقال : " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ( 4 ) " . وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " . فقد تعين عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياء لحقه الذي أماته الانكار .
--> ( 1 ) في ج : تعين المسلمين . ( 2 ) راجع ج 8 ص 178 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 159 ( 4 ) راجع ج 16 ص 122